آللَّهُمْ إجَعلنآ ممِّنْ طآب ذِكَرهُم ْوَحسُنتْ سيِرتَهم وآستَمرأجُرهمْ لحيآتِهمْ وَبعد مَماتهم
مرحبا بكم زوارنا الكرام ♥ يشرفنا تسجيلكم معنا أو الدخول إن كنتم أعضاء ♥ ننتظر دائما ابداعاتكم ♥
جــمــال الــعــقــل .. بــالــفــكـــر ....... وجــمــال الـلـسـان .. بــالــصــمــت
وجــمــال الــوجــه .. بـــالـابـتـســامــة ..... وجــمـــال الــفــؤاد.. بــالذكر .
وجــمـــال الــحـــال .. بــالــاســتــقــامـــة ..... وجــمـــال الـــكـــلــام .. بـــالــصــــدق


آللَّهُمْ إجَعلنآ ممِّنْ طآب ذِكَرهُم ْوَحسُنتْ سيِرتَهم وآستَمرأجُرهمْ لحيآتِهمْ وَبعد مَماتهم

$spacer_open
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جالأعضاءالتسجيلدخول
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
المواضيع الأخيرة
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
الأوراسية الحرة
 
ساندريلا
 
سالى
 
zohra76
 
safaahanoon
 
سندريلا
 
رجاء2
 
جزائرية مسلمة
 
ni3ma
 
فاطمة زاوي
 
ساعة

شاطر | 
 

 محمد أصله ، ونشأته ، وأحواله قبل النبوة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الأوراسية الحرة
مديرة المنتدى
مديرة المنتدى
avatar

البلد : جزائر
انثى
عدد المساهمات : 702
نقاط : 3676
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
الموقع الموقع : http://saydati.yoo7.com/

مُساهمةموضوع: محمد أصله ، ونشأته ، وأحواله قبل النبوة   السبت 28 يناير - 10:27

محمد أصله ، ونشأته ، وأحواله قبل النبوة



أسرته

أما أسرته فتعرف بالأسرة الهاشمية ، نسبة إلى جدة الثاني هاشم ، وقد ورث هاشم من مناصب قصي : السقاية والرفادة ، ثم ورثهما أخوه المطلب ، ثم أولاد هاشم إلى أن جاء الإسلام وهم على ذلك ، وكان هاشم أعظم أهل زمانه ، كان يهشم الخبز ، أي يفتته في اللحم ، فيجعله ثريداً ، ثم يتركه يأكل الناس ، فلقب بهاشم ، واسمه عمرو . وهو الذي سن الرحلتين : رحلة الشتاء إلى اليمن ، ورحلة الصيف إلى الشام ، وكان يعرف بسيد البطحاء .

ومن حديثه : أنه مر بيثرب ، وهو في طريق تجارته إلى الشام ، فتزوج سلمى بنت عمرو من بني عدي بن النجار ، وأقام عندها فترة ، ثم مضى إلى الشام وهي حامل ، فمات بغزة من أرض فلسطين ، وولدت سلمى ابناً بالمدينة سمته : شيبة ، لشيب في رأسه ، ونشأ هذا الطفل بين أخواله في المدينة ، ولم يعلم به أعمامه بمكة حتى يبلغ نحو سبع سنين أو ثماني سنين ، ثم علم به عمه المطلب ، فذهب به إلى مكة ، فلما رآه الناس ظنوه عبده فقالوا : عبد المطلب ، فاشتهر بذلك .

وكان عبد المطلب أوسم الناس ، وأجملهم ، وأعظمهم قدراً . وقد شرف في زمانه شرفاً لم يبلغه أحد ، كان سيد قريش وصاحب عير مكة ، شريفاً مطاعاً جواداً يسمى بالفياض لسخائه ، كان يرفع من مائدته للمساكين والوحوش والطيور ، فكان يلقب بمطعم الناس في السهل ، والوحوش والطيور في رؤوس الجبال . قد تشرف بحفر بئر زمزم بعد أن كان قد درسها جرهم عند جلائهم عن مكة ، وكان قد أمر بحفرها في المنام ، ووصف له موضعها فيه .

وفي عهده وقعت حادثة الفيل ، جاء أبرهة الأشرم من اليمن بستين ألف جندي من الأحباش ، ومعه بعض الفيلة ، ليهدم الكعبة ، فلما وصل إلى وادي محسر بين المزدلفة ومنى ، وتهيأ للهجوم على مكة أرسل الله عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل ، فجعلهم كعصف مأكول ، وكان ذلك قبل مولد النبي بأقل من شهرين فقط .

أما والده عبدالله فكان أحسن أولاد عبد المطلب ، وأعفهم ، وأحبهم إليه ، وهو الذبيح ، وذلك أن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم ، وبدت آثارها نازعته قريش ، فنذر لئن آتاه الله عشرة أبناء ، وبلغوا أن يمنعوه ، ليذبحن أحدهم . فلما تم له ذلك أقرع بين أولاده ، فوقعت القرعة على عبدالله ، فذهب إلى الكعبة ليذبحه ، فمنعته قريش ، ولا سيما إخوانه وأخواله ، ففداه بمائة من الإبل ، فالنبي ابن الذبيحين : إسماعيل – عليه السلام –وعبد الله ، وابن المفديين ، فدي إسماعيل – عليه السلام – بكبش ، وفدي عبد الله بمائة من الإبل .

واختار عبد المطلب لابنه عبد الله آمنه بنت وهب ، وكانت أفضل نساء قريش شرفاً وموضعاً ، وكان أبوها وهب سيد بني زهرة نسباً وشرفاً ، فتمت الخطبة والزواج ، وبنى بها عبد الله بمكة فحملت برسول الله .

وبعد فترة أرسله عبد لمطلب إلى المدينة – أو الشام في تجارة – فتوفي بالمدينة – راجعاً من الشام – ودفن في الدار النابغة الذبياني ، وذلك قبل ولادته على الأصح .
محمد أصله ، ونشأته ، وأحواله قبل النبوة



المولد :

ولد رسول الله بشعب بني هاشم في مكة ، صبيحة يوم الاثنين ، التاسع – ويقال : الثاني عشر – من شهر ربيع الأول عام الفيل – والتاريخ الأول أصح والثاني أشهر – وهو يوافق اليوم الثاني والعشرون من شهر أبريل سنة 571م .

وكانت قابلته أي دايته : الشفاء بنت عمرو أم عبد الرحمن بن عوف t ولما ولدته أمه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام . وأرسلت إلى جده عبد المطلب تبشره بولادته فجاء عبد المطلب مستبشراً مسروراً ، وحمله ، فأدخله الكعبة ، وشكر الله ، ودعاه ، وسماه محمداً ، رجاء أن يحمد ، وعق عنه ، وختنه يوم سابعه ، وأطعم الناس كما كان العرب يفعلون .

وكانت حاضنته أم أيمن : بركة الحبشية ، مولاة والده عبد الله ، وقد بقيت حتى أسلمت ، وهاجرت ، وتوفيت بعد النبي بخمسة أشهر ، أو بستة أشهر .
محمد أصله ، ونشأته ، وأحواله قبل النبوة



قبيلته :

وقبيلته هي قبيلة قريش المشهود لها بالشرف ، ورفعة الشأن ، والمجد الأصيل ، وقداسة المكان بين سائر العرب ، وهو لقب فهر بن مالك أو النضر بن كنانة .

وكل من رجالات هذه القبيلة كانوا سادات وأشرافاً في زمانهم ، وقد امتاز منهم قصي – واسمه زيد – بعدة ميزات ، فهو أول من تولى الكعبة من قريش ، فكانت إليه حجابتها وسدانتها ، أي كان بيده مفتاح الكعبة يفتحها لمن شاء ومتى شاء ، وهو الذي أنزل قريشاً ببطن مكة ، وأسكنهم في داخلها ، وكانوا قبل ذلك في ضواحيها وأطرافها ، متفرقين بين قبائل أخرى ، وهو الذي أنشأ السقاية والرفادة . والسقاية . ماء عذب من نبيذ التمر أو العسل أو الزبيب ونحوه ، كان يعده في حياض من الأديم يشربه الحجاج . والرفادة : طعام كان يصنع لهم في الموسم . وقد بنى قصي بيتاً بشمالي الكعبة ، عرف بدار الندوة . وهي دار شورى قريش ، ومركز تحركاتهم الاجتماعية ، فكان لا يعقد نكاح ، ولا يتم أمر إلا في هذه الدار ، وكان بيده اللواء والقيادة ، فلا تعقد راية حرب إلا بيده ، وكان كريماً وافر العقل ، صاحب كلمة نافذة في قومه .

محمد أصله ، ونشأته ، وأحواله قبل النبوة



في بني سعد :



كان من عادة العرب أن يلتمسوا المراضع لمواليدهم في البوادي ، إبعاداً لهم عن أمراض الحواضر حتى تشتد أعصابهم ، وليتقنوا اللسان العربي في مهدهم .

وقدر الله أن جاءت نسوة من بني سعد بن بكر بن هوزان يطلبن الرضعاء فعرض النبي عليهن كلهن ، فأبين أن يرضعنه لأجل يتمه . ولم تجد إحدى النسوة – وهي حليمة بنت أبي ذويب – رضيعاً فأخذته وحظيت به حظوة اغتبط لها الآخرون .

واسم أبي ذويب والد حليمة : عبد الله بن الحارث ، واسم زوجها : الحارث ابن عبد العزى ، وكلاهما ن سعد بن بكر بن هوازن . وأولاد الحارث بن عبد العزى ، إخوته من الرضاعة هم : عبد الله وأنيسة وجدامة ، وهي الشيماء ، لقب غلب على اسمها ، وكانت تحضن رسول الله





بركات في بيت الرضاعة

وقد درت البركات على أهل هذا البيت مدة وجوده بينهم .

ومما روي من هذه البركات : أن حليمة لما جاءت إلى مكة كانت الأيام أيام جدب وقحط ، وكانت معها أتان كانت أبطأ دابة في الركب مشياً لأجل الضعف والهزال ، وكانت معها ناقة لا تدر بقطرة من لبن ، وكان لها ولد صغير يبكي ويصرخ طول الليل لأجل الجوع ، ولا ينام ، ولا يترك أبويه ينامان .

فلما جاءت حليمة بالنبي إلى رحلها ، ووضعته في حجرها أقبل عليه ثدياها بما شاء من لبن ، فشرب حتى روي ، وشرب معه ابنها الصغير حتى روى ، ثم ناما .

وقام زوجها إلى الناقة فوجدها حافلاً باللبن ، فحلب منها ما انتهيا بشربه رياً وشبعاً ، ثم باتا بخير ليلة .

ولما خرجا راجعين إلى بادية بني سعد ركبت حليمة تلك الأتان ، وحملت معها النبي فأسرعت الأتان حتى قطعت بالركب ، ولم يستطع لحوقها شئ من الحمر .

ولما قدما في ديارهما : ديار بني سعد – وكان أجدب أرض الله – كانت غنمهما تروح عليهما شباعاً ممتلئة الخواصر بالعلف ، ممتلئة الضروع باللبن . فكانا يحلبان ويشربان ، وما يحلب إنسان قطرة لبن .

فلم يزالا يعرفان من الله الزيادة والخير حتى اكتملت مدة الرضاعة ومضت سنتان ففطمته حليمة ، وقد اشتد وقوي في هذه الفترة .


بقاء النبي في بني سعد بعد الرضاعة :



وكانت حليمة تأتي بالنبي إلى آمه وأسرته كل ستة أشهر ، ثم ترجع به إلى باديتها في بني سعد ، فلما اكتملت مدة الرضاعة وفطمته ، وجاءت به إلى أمه حرصت على بقائه عندها ، لما رأت من البركة والخير . فطلبت من أم النبي أن تتركه عندها حتى يغلظ ، فإنها تخاف عليه وباء مكة ، فرضيت أمه بذلك ، ورجعت به حليمة إلى بيتا مستبشرة مسرورة ، وبقي النبي عندها بعد ذلك نحو سنتين ، ثم وقعت حادثة غريبة أحدثت خوفاً في حليمة وزوجها حتى ردا النبي إلى أمه . وتلك الحادثة هي شق صدره وإليكم بيان ذلك .





شق الصدر :

قال أنس بن مالك t : إن رسول الله أتاه جبريل وهو يلعب مع لغلمان فأخذه فصرعه ، فشق عن قلبه . فاستخرج القلب ، فاستخرج منه علقة ، فقال : هذا حظ الشيطان منك . ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ، ثم لأمه – أي ضمه وجمعه – ثم أعاده في مكانه .

وجاء الغلمان يسعون إلى أمه – يعني ظئره ( وهي المرضعة ) – فقالوا إن محمداً قد قتل . فاستقبلوه وهو منتقع اللون . أي متغير اللون .

قال أنس : وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره .














الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydati.yoo7.com
الأوراسية الحرة
مديرة المنتدى
مديرة المنتدى
avatar

البلد : جزائر
انثى
عدد المساهمات : 702
نقاط : 3676
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
الموقع الموقع : http://saydati.yoo7.com/

مُساهمةموضوع: رد: محمد أصله ، ونشأته ، وأحواله قبل النبوة   السبت 28 يناير - 10:31



إلى أمه الحنون :

ورجع النبي بعد هذا الحادث إلى مكة ، فبقي عند أمه وفي أسرته نحو سنتين ، ثم سافرت معه أمه إلى المدينة ، حيث قبر والده وأخوال جده بنو عدي بن النجار ، وكان معها قيمها عبد المطلب ، وخادمتها أم أيمن ، فمكثت شهراً ثم رجعت ، وبينما هي في الطريق لحقها المرض ، واشتد حتى توفيت بالأبواء بين مكة والمدينة ، ودفنت هناك .





إلى جده العطوف :

وعاد به جده عبد المطلب إلى مكة ، وهو يشعر بأعماق قلبه شدة ألم المصاب الجديد . فرق عليه رقة لم يرقها لى أحد من أولاده ، فكان يعظم قدره ، ويقدمه على أولاده ، ويكرمه غاية الإكرام ، ويجلسه على فراشه الخاص الذي لم يكن يجلس عليه غيره . ويمسح ظهره ، ويسر بما يراه يصنع . ويعتقد أن له شأناً عظيماً في المستقبل ، ولكنه توفي بعد سنتين حين كان عمره ثماني سنوات وشهرين وعشرة أيام .





إلى عمه الشفيق :



وقام بكفالته عمه أبو طالب شقيق أبيه ، واختصه بفضل الرحمة والمودة ، وكان مقلا من المال . فبارك الله في قليله ، حتى كان طعام الواحد يشبع جميع أسرته ، وكان الرسول مثال القناعة والصبر ، يكتفي بما قدر الله له .


سفره إلى الشام وبحيرا الراهب :

وأراد أبو طالب أن يخرج بتجارة إلى الشام في عير قريش ، وكان عمره اثنتي عشرة سنة – وقيل : وشهرين وعشرة أيام – فاستعظم رسل الله فراقه ، فرق عليه وأخذه معه ، فلما نزل الركب قريباً من مدينة بصرى على مشارف الشام خرج إليهم أحد كبار رهبان النصارى – وهو بحيرا الراهب – فتخلل في الركب حتى وصل إلى النبي فأخذ بيده ، وقال

" هذا سيد العالمين ، هذا رسول رب العالمين ، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين " .

قالوا : وما علمك بذلك ؟

قال : "إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خر ساجداً ، ولا يسجدان إلا لنبي ، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة ، وإنا نجده في كتبنا " .

ثم أكرمهم بالضيافة ، وسأل أبا طالب ، أن يرده ولا يقدم به إلى الشام خوفاً من اليهود والرومان ، فرده أبو طالب إلى مكة .





حرب الفجار :

وحين كان عمره عشرين سنة – وقعت في السوق عكاظ حرب بين قبائل قريش وكنانة من جهة ، وبين قبائل قيس عيلان من جهة أخرى . اشتد فيها البأس ، وقتل عدد من الفريقين ، ثم اصطلحوا على أن يحصوا قتلى الفريقين ، فمن وجد قتلاه أكثر أخذ دية الزائد ، ووضعوا الحرب ، وهدموا ما وقع بينهم من العداوة والشر .

وقد حضر هذه الحرب رسول لله وكان ينبل على أعمامه ، أي يجهز لهم النبل للرمي .

وسميت هذه الحرب بحرب الفجار لأنهم انتهكوا فيها حرمة حرم مكة والشهر الحرام ، والفجار أربعة : كل في سنة ، وهذه آخرها ، وانتهت الثلاثة الأولى بعد خصام وأشتجار طفيف ، ولم يقع القتال إلا في الرابع فقط .







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydati.yoo7.com
الأوراسية الحرة
مديرة المنتدى
مديرة المنتدى
avatar

البلد : جزائر
انثى
عدد المساهمات : 702
نقاط : 3676
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
الموقع الموقع : http://saydati.yoo7.com/

مُساهمةموضوع: رد: محمد أصله ، ونشأته ، وأحواله قبل النبوة   السبت 28 يناير - 10:34



حلف الفضول :

وفي شهر ذي القعدة على إثر هذه الحرب تم حلف الفضول بين خمسة بطون من قبيلة قريش وهم : بنو هاشم ، وبنو المطلب ، وبنو أسد ، وبنو زهرة ، وبنو تيم .

وسببه أن رجلاً من زبيد جاء بسلعة إلى مكة ، فاشتراها منه العاص بن وائل السهمي ، وحبس عنه حقه ، فاستعدي عليه ببني عبد الدار ، وبني مخزوم ، وبني جمح ، وبني سهم ، وبني عدي ، فلم يكترثوا له ، فعلا جبل أبي قبيس ، وذكر ظلامته في أبيات ، ونادى من يعينه على حقه ، فمشى في ذلك الزبير بن عبد المطلب حتى اجتمع الذين مضى ذكرهم في دار عبد الله بن جدعان رئيس بني تيم ، وتحالفوا وتعاقدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها أو من غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته ، ثم قاموا إلى العاص بن وائل السهمي ، فانتزعوا منه حق الزبيدي ، ودفعوه إليه .

وقد حضر رسول الله هذا الحلف مع أعمامه ، وقال بعد أن شرفه الله بالرسالة: " لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم ، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت " .


محمد أصله ، ونشأته ، وأحواله قبل النبوة



حياة العمل :

معلوم أن النبي ولد يتيماً ونشأ في كفالة جده ثم عمه ، ولم يرث عن أبيه شيئاً يغنيه ، فلما بلغ سنا يمكن العمل فيه عادة رعى الغنم مع إخوته من الرضاعة في بني سعد ، ولما رجع ؟إلى مكة رعاها لأهلها على قراريط ، والقيراط جزء يسير من الدينار : نصف العشر أو ثلث الثمن منه . قيمته في هذا الزمان عشرة ريالات تقريباً .

ورعى الغنم من سنن الأنبياء في أوائل حياتهم . فقد قال مرة بعد أن أكرمه الله بالنبوة : " ما من نبي إلا ورعاها " .

ولما شب النبي وبلغ الفتوة فكأنه كان يتجر ، فقد ورد أنه كان يتجر مع السائب بن أبي السائب ، فكان خير شريك له ، لا يجاري ولا يماري .

وعرف في معاملاته بغاية الأمانة والصدق والعفاف . وكان هذا هديه في جميع مجالات الحياة حتى لقب بالأمين .





سفره إلى الشام وتجارته في مال خديجة :

وكانت خديجة بنت خويلد t من أفضل نساء قريش شرفاً ومالاً ، وكانت تعطي مالها للتجار يتجرون فيه على أجرة ، فلما سمعت عن النبي عرضت عليها مالها ليخرج فيه إلى الشام تاجراً ، وتعطيه أفضل ما أعطته غيره .

وخرج رسول الله مع غلامها ميسرة إلى الشام ، فباع وابتاع وربح ربحاً عظيماً ، وحصل في مالها من البركة ما لم يحصل من قبل ، ثم رجع إلى مكة ، وأدى الأمانة




زواجه بخديجة :

ورأت خديجة من الأمانة والبركة ما يبهر القلوب ، وقص عليها ميسرة ما رأى في النبي من كرم الشمائل وعذوبة الخلال – يقال : وبعض الخوارق ، مثل تظليل الملكين له في الحر – فشعرت خديجة بنيل بغيتها فيه . فأرسلت إليه إحدى صديقاتها تبدى رغبتها في الزواج به ، ورضي النبي بذلك ، وكلم أعمامه ، فخطبوها له إلى عمها عمرو بن أسد ، فزوجها عمها بالنبي في محضر من بني هاشم ورؤساء قريش على صداق قدره عشرون بكرة ، وقيل ست بكرات ، وكان الذي ألقى خطبة النكاح هو عمه أبو طالب : فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم ذكر شرف النسب وفضل النبي ، ثم ذكر كلمة العقد وبين الصداق .

تم هذا الزواج بعد رجوعه من الشام بشهرين وأيام ، وكان عمره إذ ذاك خمساً وعشرين سنة ، أما خديجة فالأشهر أن سنها كانت أربعين سنة . وقيل : ثمان وعشرين سنة ، وقيل غير ذلك ، وكانت أولاً متزوجة بعتيق بن عائذ المخزومي ، فمات عنها ، فتزوجها أبو هالة التيمي ، فمات عنها أيضاً بعد أن ترك له منها ولداً ، ثم حرص على زواجها كبار رؤساء قريش فأبت حتى رغبت في رسول الله وتزوجت به . فسعدت به سعادة يغبط عليها الأولون والآخرون .

وهي أول أزواجه لم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت ، وكل أولاده منها إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية .




أولاده من خديجة :

هم : القاسم ، ثم زينب ، ثم رقية ، ثم أم كلثوم ، ثم فاطمة ، ثم عبدالله ، وقيل غير ذلك في عددهم وترتيبهم ، وقد مات البنون كلهم صغاراً . أما البنات فقد أدركن كلهن زمن النبوة ، فأسلمن وهاجرن ، ثم توفاهن الموت قبل النبي إلا فاطمة رضي الله عنها ، فإنها عاشت بعده ستة أشهر .





بناء البيت وقصة التحكيم :

ولما بلغت سنة خمساً وثلاثين سنة جاء سيل جارف صدع جدران الكعبة . وكانت قد وهنت من قبل لأجل حريق ، فاضطرت قريش إلى بنائها من جديد ، وقرروا أن لا يدخلوا في نفقتها إلا طيباً ، فلا يدخلوا فيها مهر بغى ، ولا بيع ربا ، ولا مظلمة أحد ، وهابوا عقاب الله على هدمها ، فقال الوليد بن المغيرة : إن الله لا يهلك المصلحين ، ثم بدأ يهدم ، فتبعوه في هدمها حتى وصلوا بها إلى قواعد إبراهيم .

ثم أخذوا في بناء وخصصوا لكل قبيلة جزءاً منها ، وكان الأشراف يحملون الحجارة على أعناقهم ، وكان رسول الله وعمه العباس فيمن يحمل . وتولى البناء بناء رومي اسمه : باقوم . وضاقت بهم النفقة الطبية عن إتمامها على قواعد إبراهيم ، فأخرجوا منها نحو ستة أذرع من جهة الشمال ، وبنوا عليها جداراً قصيراً علامة أنه من الكعبة . وهذا الجزء و المعروف بالحجر والحطيم

ولما وصل البنيان إلى موضع الحجر الأسود أراد كل رئيس أن يتشرف بوضعه في مكانه ، فوقع بينهم التنازع والخصام ، واستمر أربعة أيام أو خمسة ، وكاد يتحول إلى حرب . دامية في الحرم ، إلا أن أبا أمية بن المغيرة المخزومي تداركها بحكمة – وكان أسن رجل في قريش – فاقترح عليهم أن يحكموا أول رجل يدخل عليهم من باب مسجد ، فقبلوا ذلك ، واتفقوا عليه .

وكان من قدر الله أن أول من دخل بعد هذا القرار هو رسول الله فلما رأوه هتفوا ، وقالوا : هذا الأمين رضيناه ، هذا محمد . فلما انتهى إليهم ، وأخبروه الخبر ، أخذ رداءً ، ووضع فيه الحجر الأسود ، وأمرهم أن يمسك كل واحد منهم بطرف من الرداء ويرفعه ، فلما وصل الحجر الأسود إلى موضعه أخذه النبي بيده ووضعه في مكانه . وكان حلاً حصيفاً رضي به الجميع

والحجر الأسود يرتفع عن أرض المطاف متراً ونصف متر . أما الباب فقد رفعوه نحو مترين حتى لا يدخل إلا من أرادوا وأما الجدران فرفعوها ثمانية عشر ذراعاً ، وكانت على نصف من ذلك ، ونصبوا في داخل الكعبة ستة أعمدة في صفين ثم سقفوها على ارتفاع خمسة عشر ذراعاً وكانت من قبل بدون سقف ولا عمود .







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydati.yoo7.com
الأوراسية الحرة
مديرة المنتدى
مديرة المنتدى
avatar

البلد : جزائر
انثى
عدد المساهمات : 702
نقاط : 3676
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
الموقع الموقع : http://saydati.yoo7.com/

مُساهمةموضوع: رد: محمد أصله ، ونشأته ، وأحواله قبل النبوة   السبت 28 يناير - 10:40



سيرته قبل البعثة :

نشأ منذ صباه سليم العقل ، وافر القوى ، نزيه الجانب ، فترعرع ، وشب ، ونضج ، وهو جامع للصفات الحميدة والشيم النبيلة ، فكان طرازاً رفيعاً من الفكر الصائب والنظر السديد ، ومثالاً نهائياً في مكارم الأخلاق ومحاسن الخصال ، امتاز بالصدق والأمانة ، والمروءة ، والشجاعة ، والعدل ، والحكمة ، والعفة ، والزهد ، والقناعة ، والحلم ، والصبر والشكر ، والحياء والوفاء ، والتواضع والتناصح .

وكان على أعلى قمة من البر والإحسان كما قال عمه أبو طالب :

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل

وكان وصولاً للرحم ، حمولاً لما يثقل كواهل الناس ، يساعد من أعدم العيش حتى يصيب الكسب ، وكان يقري الضيف ، وبغض إليه ما كان في قومه من خرافة وسوء ، فلم يشهد أعياد الأوثان واحتفالات الشرك ، ولم يأكل مما ذبح على النصب أو أهل به لغير الله .وكان لا يصبر على سماع الحلف باللات والعزى فضلاً عن مس الأصنام أو التقرب إليها .

وكان أبعد لناس من شرب الخمر وشهود الملاهي حتى لم يحضر مجالس اللهو والسمر ونواديها التي كانت منتزه الشباب وملتقى الأحبة في مكة .
النـبـــوة والدعــــــوة



مقدمات النبوة وتباشير السعادة :

وبما تقدم ذكره اتسعت الشقة الفكرية والعلمية بين النبي وبين قومه ، وطفق يقلق مما يراهم عليه من الشقاوة والفساد ، ويرغب في الاعتزال عنهم والخلوة بنفسه مع تفكيره في سبيل ينجيهم من التعاسة والبوار .

واشتد هذا القلق ، وقويت هذه الرغبة مع تقدم السن حتى كأن حادياً يحدوه إلى الخلوة والانقطاع . فأخذ يخلو بغار حراء (1)، يتعبد الله فيه على بقايا دين إبراهيم – عليه السلام – وذلك من كل سنة شهراً . وهو شهر رمضان ، فإذا قضى جواره بتمام هذا الشهر انصرف إلى مكة صباحاً ، فيطوف بالبيت ، ثم يعود إلى داره ، وقد تكرر ذلك منه ثلاث سنوات .

فلما تكامل له أربعون سنة – وهي سن الكمال ، ولها بعثت الرسل غالباً – بدأت طلائع النبوة وتباشير السعادة في الظهور ، فكان يرى رؤيا صالحة تقع كما يرى ، وكان يرى الضوء ويسمع الصوت وقال :" إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث " .



(1) حراء : اسم الجبل الذي يعرف اليوم بجبل النور ، وهو على بعد نحو ميلين من أصل مكة ، أما الغار فيقع فيه بجنب قمته الشامخة أسفل منها على يسار الصاعد إليها ، يصل الرجل إلى الغار بعد ما ينزل من القمة ، وهو غار لطيف طوله ينقص قليلاً عن أربعة أمتار ، وعرضه يزيد قليلاً على متر ونصف متر .



بداية النبوة ونزول الوحي :

فلما كان في رمضان من السنة الحادية والأربعين وهو معتكف بغار حراء ، يذكر الله ويعبده ، فجئه جبريل – عليه السلام – بالنبوة والوحي ، ولنستمع إلى عائشة – رضي الله عنه – تروي لنا هذه القصة بتفاصيلها ، قالت عائشة – رضي الله عنها :

أول ما بُدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث – أي يتعبد – فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ، ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة ، فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء ، فجاءه الملك ، فقال : اقرأ . قال : ما أنا بقارئ

قال : فأخذني ، فغطني حتى بلغ مني جهد ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ . قلت : ما أنا بقارئ . فأخذني ، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال اقرأ . فقلت : ما أنا بقارئ . فأخذني . فغطني الثالثة . ثم أرسلني فقال : } اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ{1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ{2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ{3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ{4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ { .

فرجع بها رسول الله يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد – رضى الله عنها – فقال : زملوني . فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة – وأخبرها الخبر : لقد خشيت على نفسي . فقالت خديجة : كلا ، والله ما يخزيك الله أبداً . أنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق .

فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي ، ابن عم خديجة ، وكان امرأًً تنصر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبراني ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخاً قد عمى .

فقالت له خديجة : يا ابن العم اسمع من ابن أخيك .

فقال له ورقة : يا ابن أخي ماذا ترى ؟

فأخبره رسول الله خبر ما رأى .

فقال له ورقة : هذا الناموس الذي نزل الله على موسى . يا ليتني فيها جزعاً – أي قوياً جلداً – ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك .

فقال رسول الله : أو مخرجي هم ؟

قال : نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً

ثم لم يلبث ورقة أن توفى ، وفتر الوحي .




تاريخ بدء النبوة ونزول الوحي :

تلك هي القصة بداية النبوة ونزول الوحي على النبي لأول مرة ، وقد كان ذلك في رمضان في ليلة القدر ، قال الله – تعالى :} شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ{ وقال : }إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ{ وقد أفادت الأحاديث الصحيحة أن ذلك كان ليلة يوم الاثنين قبل أن يطلع الفجر .

وحيث إن ليلة القدر تقع في وتر من ليالي العشر الأواخر من رمضان ، وقد ثبت علمياً أن يوم الاثنين في رمضان من تلك السنة إنما بدأت في الليلة الحادية والعشرين من رمضان سنة إحدى وأربعين من مولده وهي توافق اليوم العاشر من شهر أغسطس سنة 610م وكان عمره إذ ذاك أربعين سنة قمرية وستة أشهر واثنى عشر يوماً . وهو يساوي تسعاً وثلاثين سنة شمسية وثلاثة أشهر واثنين وعشرين يوماً ، فكانت بعثته على رأس أربعين سنة شمسية .




فترة الوحي ثم عودته :

وكان الوحي قد فتر وانقطع بعد أول نزوله في غار حراء – كما سبق – ودام هذا الانقطاع أياماً ، وقد أعقب ذلك في النبي شدة الكآبة والحزن ، ولكن المصلحة كانت في هذا الانقطاع ، فقد ذهب عنه الروع ، وتثبت من أمره ، وتهيأ لاحتمال مثل ما سبق حين يعود ، وحصل له التشوف والانتظار ، وأخذ يرتقب مجئ الوحي مرة أخرى .

وكان قد عاد من عند ورقة بن نوفل إلى حراء ليواصل جواره في غاره ، ويكمل ما تبقى من شهر رمضان ، فلما انتهى شهر رمضان وتم جواره نزل من حراء صبيحة غرة شوال ليعود إلى مكة حسب عادته .

قال : فلما استبطنت الوادي أي دخلت في بطنه – نوديت ، فنظرت عن يميني فلم أر شيئاً ، ونظرت إلى شمالي فلم أر شيئاً ، ونظرت أمامي فلم أر شيئاً ، ونظرت خلفي فلم أر شيئاً ، فرفعت رأسي فرأيت شيئاً ، فإذا الملك جاءني بحراْ جالس على كرسي بين السماء والأرض ، فجئثت منه رعباً حتى هويت إلى الأرض ، فأتيت خديجة ، فقلت : زملوني ، زملوني ، دثروني ، وصُبوا على ماء بارداً ، فدثروني وصبوا على ماء بارداً ، فنزلت } يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ{1} قُمْ فَأَنذِرْ{2} وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ{3} وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ{4} وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ{ .

وذلك قبل أن تفرض الصلاة ثم حمي الوحي وتتابع .

وهذه الآيات هي بدء رسالته وهي متأخرة عن النبوة بمقدار فترة الوحي ، وتشتمل على نوعين من التكليف مع بيان ما يترتب عليه :

أما النوع الأول فهو تكليفه بالبلاغ والتحذير ، وذلك في قوله تعالى : } قُمْ فَأَنذِرْ { . فإن معناه : حذر الناس من عذاب الله إن لم يرجعوا عما هما فيه من الغي والضلال ، وعبادة غير الله المتعال ، والإشراف به في الذات والصفات والحقوق والأفعال .

وأما النوع الثاني فتكليفه بتطبيق أوامر الله – سبحانه وتعالى – والالتزام بها في نفسه ، ليحذر بذلك مرضاة الله ، ويصير أسوة لمن آمن بالله . وذلك في بقية الآيات ، فقوله : } وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ {. معناه : خصه بالتعظيم ، ولا شرك به في ذلك أحداً غيره ، وقوله : } وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ { . المقصود الظاهر منه تطهير الثياب والجسد ، إذ ليس لمن يكبر الله ويقف بين يديه أن يكون نجساً مستقذراً ، وقوله :
} وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ {. معناه . ابتعد عن أسباب سخط الله وعذابه ، وذلك بطاعته وترك معصيته ، وقوله : } وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ { . أي لا تحسن إحساناً تريد أفضل منه في هذه الدنيا .

أما الآية الأخيرة فأشار فيها إلى ما يلحقه من أذى قومه ، حين يفارقهم في الدين ، ويقوم بدعوتهم إلى الله وحده ، فقال : } وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ { .





القيام بالدعوة :

وقام رسول الله على أثر نزول هذه الآيات بالدعوة إلى الله – سبحانه وتعالى – وحيث إن قومه كانوا جفاة لا دين لهم إلا عبادة الأصنام والأوثان ، ولا حجة لهم إلا أنهم ألفوا إباءهم على ذلك ، ولا أخلاق لهم إلا الأخذ بالعزة والأنفة ، ولا سبيل لهم في حل المشاكل إلا سيف ، فقد اختار الله أن يقوم بالدعوة سراً ، ولا يواجه بها إلا من يعرفه بالخير وحب الحق ، ويثق به ويطمئن إليه ، وان يقدم أهله وعشيرته وأصدقاءه وندماءه على غيرهم .




الرعيل الأول :

فلما بدأ النبي دعوته بادر إلى الإيمان به عدد ممن كتب الله له السبق إلى السعادة والخير .

1- وكانت أولهم على الإطلاق أم المؤمنين خديجة بنت خويلد – رضي الله تعالى عنها ، وكانت قد علمت البشارات ، وسمعت عن الإرهاصات ، وأبصرت ملامح النبوة ، وشاهدت تباشير الرسالة ، وتوقعت أن يكون رسول الله هو نبي هذه الأمة ، ثم تأكد لها من حديث ورقة ان الذي نزل في حراء هو جبريل – عليه السلام – وأن الذي جاء به هو وحي النبوة ، ثم شاهدت بنفسها ما مر به النبي عند نزول أول المدثر ، فكان من الطبيعي أن تكون هي أول المؤمنين .

2- وبادر النبي إلى صديقه الحميم أبي بكر الصديق t ليخبره بما أكرمه الله به من النبوة والرسالة ، ويدعوه إلى الإيمان به ، فآمن أول من أمن به على الإطلاق أومن من الرجال ، وكان أصغر منه بسنتين ، وصديقاً له منذ عهد قديم ، عارفاً بسره وعلانيته ، فكان إيمانه أعدل شاهد على صدقه .

3- ومن أول من آمن به على بن أبي طالب t كان تحت كفالته مقيماً عنده ، يطعمه ويسقيه ، ويقوم بأمره ، لأن قريشاً أصابتهم مجاعة ، وكان أبو طالب مقلاً كثير الأولاد ، فكفل العباس ابنه جعفراً ، وكفل النبي عليا ، فكان كأحد أولاده إلى أن جاءت النبوة وقد ناهز البلوغ ، يقال :كان عمره عشر سنين – وكان يتبعه في كل أعماله ، فلما دعاه إلى الإسلام أجاب إليه ، وهو أول من آمن به من الصبيان .

ومن أول من آمن به مولاه زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي ، كان قد أسر أيام الجاهلية وبيع ، فاشتراه حكيم بن حزام . ووهبه لعمته خديجة ، فوهبته خديجة لرسول وعلم به أبوه وعمه فجاءا إلى رسول الله وكلماه ليحسن إليهما في فدائه ، فدعا رسول الله زيداً ، وخيره بين أن يذهب مع أبيه وعمه وبين أن يبقى عنده ، فاختاره عليهما ، وعندئذ ذهب رسول الله إلى الملأ من قريش ، وقال : اشهدوا أن هذا ابني وارثاً وموروثاً، وذلك قبل النبوة ، فكان يدعى زيد بن محمد حتى جاء الإسلام وأبطل التبني ، فدعي زيد بن الحارثة .

هؤلاء الأربعة كلهم أسلموا في يوم واحد ، يوم أمر رسول الله بالإنذار ، وقام بالدعوة إلى الله ، وقد عن كل واحد منهم إنه أول من أسلم .

ثم نشط للدعوة إلى الله أبو بكر t وصار الساعد الأيمن للنبي في مهمة رسالته ، وكان رجلاً عفيفاً ، مألفاً محبباً ، سهلاً كريماً ، جواداً ، معظماً ، أعلم الناس بأنساب العرب وأخبارها ، يقصده رجال قومه لخلقه ومعروفه ، وعلمه وفضله ، وتجارته وجوده ، وحسن معاملته ومجالسته . فدعا إلى الإسلام من توسم فيه الخير ووثق به من قومه ، فأجابه جمع من فضلاء الناس ، في مقدمتهم عثمان بن عفان الأموي ، والزبير بن العوام الأسدي ، وعبد الرحمن بن عوف الزهري ، وسعد بن أبي وقاص الزهري ، وطلحة بن عبيد الله التيمى ، بين لهم أبو بكر t الإسلام ، وأتى بهم إلى النبي فأسلموا جميعاً .

ثم تلا هؤلاء أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح ، وأبو سلمة بن عبد الأسد ، وامرأته أم سلمة ، والأرقم بن أبي الأرقم ، وعثمان بن مظعون ، وأخواه قدامة وعبدالله ابنا مظعون ، وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف ، وسعيد ابن زيد بن عمرو بن نفيل ، وامرأته فاطمة بنت الخطاب أخت عمر بن الخطاب ، وخباب بن الأرت ، وجعفر بن أبي طالب ، وامرأته بنت عميس ، وخالد بن سعيد بن العاص ، وحاطب بن حارث ، وامرأته فاطمة بنت المجلل ، وأخوه حطاب بن حارث ، وامرأته فكيهة بنت أبي عوف ، ونعيم بن عبد الله بن أسيد النحام ، وهؤلاء كلهم قرشيون من بطون وأفخاذ شتى من قريش.

ومن السابقين الأولين إلى الإسلام من غير قريش : عبدالله بن مسعود الهذلي ، ومسعود بن ربيعة القاري ، وعبدالله بن جحش ، وأخوه أبو أحمد بن جحش ، وصهيب بن سنان الرومي ، وعمار بن ياسر العنسي ، وأبوه ياسر ، وأمه سمية ، وعامر ابن فهيرة .

وممن سبق إلى الإسلام من نساء من غير من تقدم ذكرهن : أم أيمن بركة الحبشية ، مولاة رسول الله وحاضنته ، أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث الهلالية ، زوج العباس بن عبد المطلب ، وأسماء بنت أبي بكر الصديق t .

وقد عرف هؤلاء الأقدمون ومن أسلم معهم بلقب السابقين الأولين ، ويظهر بعد التتبع والاستقراء أن عدد من قيل فيه : أنه قديم الإسلام ، أو قيل فيه : إنه من السابقين الأولين ، يصل إلى مائة وثلاثين صحابياً تقريباً . ولكن لا يعرف بالضبط أنهم أسلموا قبل الجهر بالدعوة. أو تأخر إسلام بعضهم إلى الجهر بها .





عبادة المؤمنين وتربيتهم :

أما الوحي فقد تتابع نزوله بعد أوائل المدثر . ويقال : إن أول ما نزل بعدها هي سورة الفاتحة ، وهي سورة تجمع بين الحمد والدعاء ، وتشتمل على جميع المقاصد المهمة من القرآن والإسلام ، كما أن أول ما أمر به النبي من العبادات الصلاة : ركعتان بالغداة وركعتان بالعشي ، نزل بذلك جبريل فعلمه الوضوء والصلاة .

فكانت الطهارة الكاملة هي سمة المؤمنين ، والوضوء شرط الصلاة ، والفاتحة أصل الصلاة ، والحمد والتسبيح من أوراد الصلاة ، وكانت الصلاة هي عبادة المؤمنين ، يقيمونها ، ويقومون بها في أماكن بعيدة عن الأنظار ، وربما كانوا يقصدون بها الأودية والشعاب .

ولا تعرف لهم عبادات وأوامر ونواه أخرى في أوائل أيام الإسلام ، وإنما كان الوحي يبين لهم جوانب شتى من التوحيد ، ويرغبهم في تزكية النفوس ، ويحثهم على مكارم الأخلاق ، ويصف لهم الجنة والنار ، ويعظهم مواعظ بليغة تشرح الصدور وتغذي الأرواح .

وكان النبي يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ، ويحدو بهم إلى منازل نقاء القلوب ، ونظافة الأخلاق ، وعفة النفوس ، وصدق المعاملات ، وبالجملة كان يخرجهم من الظلمات إلى النور . ويهديهم إلى صراط مستقيم ، ويربيهم على التمسك بدين الله والاعتصام بحبل الله ، والثبات في أمر الله ، والاستقامة عليه .

وهكذا مرت ثلاثة أعوام ، والدعوة لم تزل مقصورة على الأفراد ، لم يجهر بها النبي في المجامع والنوادي ، إلا أنها صارت معروفة لدى قريش ، وقد تنكر لهم بعضهم أحياناً ، واعتدوا على بعض المؤمنين ، ولكنهم لم يبالوا بها بصفة عامة ، حيث لم يتعرض رسول الله لدينهم ولم يتكلم في آلهتهم .




الدعوة في الأقربين :

وبعد أن قضى رسول الله ثلاث سنوات في سبيل الدعوة الفردية ، ووجد لها آذاناً صاغية ، ورجالاً صالحين من صميم قريش وغيرها ، وتمهدت لها السبل ، وتهيأ لظهورها الجو أنزل الله تعالى على رسوله } وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ{214} وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ{215} فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ{ فجمع النبي عشيرته الأقربين ، وهم بنو هاشم ، ومعهم نفر من بني المطلب ، فقال بعد الحمد وشهادة التوحيد :

" إن الرائد لا يكذب أهله ، والله لو كذبت الناس جميعاً ما كذبتكم ، ولو غررت الناس جميعاً ما غررتكم ، والله الذي لا إلا هو أني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة ، والله لتموتن كما تنامون ، ولتبعثن كما تستيقظون ، ولتحاسبن بما تعملون ، ولتجزون بالإحسان إحساناً وبالسوء سوءاً . وإنها الجنة أبداً أو النار أبداً " .

فتكلم القوم كلاماً ليناً غير عمه أبي لهب . فإنه قال : خذوا على يديه قبل أن تجتمع عليه العرب ، فإن سلمتموه إذن ذللتم . وإن منعتموه قتلتم . فقال أبو طالب : والله لنمنعنه ما بقينا ، وقال أيضاً : أمض لما أمرت به ، فو الله لا أزال أحوطك وأمنعك ، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب .





الجهــر بالدعـــوة



على جبل الصفا :

وفي غضون ذلك نزل أيضاً قوله تعالى : } فَا صْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ { فصعد رسول الله ذات يوم على الصفا فعلا أعلاها حجراً ، ثم هتف :" يا صباحاه " .

وكانت كلمة إنذار تخبر عن هجوم جيش أو وقع أمر عظيم .

ثم جعل ينادي بطون قريش ، ويدعوهم قبائل قبائل : يا بني فهر ! يا بني عدي ! يا بني فلان ! يا بني فلان ، يا بني عبد مناف ! يا بني عبد المطلب !

فلما سمعوا قالوا : من هذا الذي يهتف ؟ قالوا : محمد . فأسرع الناس إليه ، حتى إن الرجل إذا لم يستطع أن يخرج إليه أرسل رسولاً لينظر ماهو ؟

فلما اجتمعوا قال :" أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي بسفح هذا الجبل ، تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي " ؟

قالوا : نعم . ما جربنا عليك كذباً . ما جربنا عليك إلا صدقاً .

قال :" فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يربأ أهله – أي يتطلع وينظر لهم من مكان مرتفع لئلا يدهمهم العدو – فخشي أن يسبقوه ، فجعل ينادي : يا صباحاه " .

ثم دعاهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله . وبين لهم أن هذه الكلمة هي ملاك الدنيا ونجاة الآخرة . ثم حذرهم وأنذرهم عذاب الله إن بقوا على شركهم ، ولم يؤمنوا بما جاء به من عند الله ، وأنه مع كونه رسولاً لا ينقذهم من العذاب ولا يغنيهم من الله شيئاً .

وعم هذا الإنذار وخص فقال : " يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله ، أنقذوا أنفسكم من النار ، فإني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً ، ولا أغني عنكم من الله شيئاً .

يا بني كعب بن لؤي ! أنقذوا أنفسكم من النار ، فإني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً .

يا بني مرة بن كعب ! أنقذوا أنفسكم من النار .

يا معشر بني قصي ! أنقذوا أنفسكم من النار ، فإني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً .

يا بني عبد شمس ! أنقذوا أنفسكم من النار .

يا بني عبد مناف ! أنقذوا أنفسكم من النار ، فإني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً .

يا بني هاشم ! أنقذوا أنفسكم من النار .

يا بني عبد المطلب ! أنقذوا أنفسكم من النار ، فإني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً ، ولا أغني عنكم من الله شيئاً ، سلوني من مالي ما شئتم ، ولا أملك لكم من الله شيئاً .

يا عباس بن عبد المطلب ! لا أغني عنك من الله شيئاً .

يا صفية بنت عبد المطلب : عمة رسول الله ! لا أغني عنك من الله شئياً .

يا فاطمة بنت محمد رسول الله ! سليني بما شئت ، أنقذي نفسك من النار ، لا أغني عنك من الله شيئاً .

غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها – أي سأصلها حسب حقها –

لما أتم هذا الإنذار انفض الناس وتفرقوا ، ولا يذكر عنهم أنهم أبدوا أي

معارضة أو تأييد لما سمعوه ، سوى ما ورد عن أبي لهب أنه واجه النبي بالسوء ، فقال تباً لك سائر اليوم . ألهذا جمعتنا ؟ فنزلت }تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ { .

أما عامة قريش فكأنهم قد أصابتهم الدهشة والاستغراب حين فوجئوا بهذا الإنذار، ولم يستطيعوا أن يختاروا أي موقف تجاه ذلك ، ولكنهم لما رجعوا إلى بيوتهم ، واستقرت أنفسهم ، وأفاقوا من دهشتهم ، واطمأنوا ، استكبروا في أنفسهم ، وتناولوا هذه الدعوة والإنذار بالاستخفاف والاستهزاء ، فكان النبي إذا مر على ملأ منهم سخروا منه وقالوا : أهذا الذي بعث الله رسولاً ؟ أهذا ابن أبي كبشة . يكلم من السماء . أمثال ذلك .

وأبو كبشة اسم لأحد أجداده من جهة الأم ، كان قد خالف دين قريش ، واختار النصرانية ، فلما خالفهم النبي في الدين نسبوه إليه ، وشبهوه به ، تعييراً واحتقاراً له وطعناً فيه .

واستمر النبي في دعوته وبدأ يجهر في نواديهم ومجامعهم ، يتلو عليهم كتاب الله ، ويدعوهم إلى ما دعت إليه الرسل : } يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ الله مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ { وبدأ يعبد الله أمام أعينهم ، فكان يصلي بفناء الكعبة نهاراًَ جهاراً وعلى رؤوس الأشهاد .

وقد نالت دعوته بعض القبول ، ودخل عدد من الناس في دين الله واحداً بعد واحد ، وحصل بين هؤلاء المسلمين وبين من لم يسلم من أهل بيتهم التباغض والتباعد .





























الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydati.yoo7.com
الأوراسية الحرة
مديرة المنتدى
مديرة المنتدى
avatar

البلد : جزائر
انثى
عدد المساهمات : 702
نقاط : 3676
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
الموقع الموقع : http://saydati.yoo7.com/

مُساهمةموضوع: رد: محمد أصله ، ونشأته ، وأحواله قبل النبوة   السبت 28 يناير - 10:44

الجهــر بالدعـــوة



مشاورة قريش لكف الحجاج عن الدعوة :

واشمأزت قريش من كل ذلك ، وساءهم ما رأوه ، وما هي إلا أيام حتى اقترب موعد الحج ، وأهمهم أمر الحجاج ، فاجتمع نفر منهم إلى الوليد بن المغيرة – وكان ذا سن وشرف فيهم – فقال لهم : يا معشر قريش إنه قد حضر هذا الموسم ، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فأجمعوا فيه رأياً واحداً ، ولا تختلفوا ، فيكذب بعضكم بعضاً

قالوا : أنت فقل ، وأقم لنا رأياً نقول به .

قال : لا بل أنتم فقولوا أسمع .

قالوا : نقول : كاهن .

قال : ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهان ، فلما هو بزمزمة الكهان ولا بسجعهم .

قالوا : فنقول مجنون .

قال : ماهو بمجنون ، لقد رأينا الجنون وعرفناه ، فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته .

قالوا : فنقول : شاعر .

قال : ماهو بشاعر ، لقد عرفنا الشعر كله ، رجزه وهجزه وقريضه ومقبوضة ومبسوطة . فما هو بالشعر .

قالوا : فنقول : ساحر .

قال : ماهو بساحر ، لقد رأينا السحار وسحرهم ، فما هو بنفثه ولا بعقده .

قالوا : فماذا نقول ؟

قال : والله إن لقوله حلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أصله لعذق ، وإن فرعه لجناة . وما أنتم بقائلين من هذا أنتم شيئاً إلا عرف أنه باطل ، وإن أقرب القول أن تقولوا : هو ساحر ، وقوله سحر ، يفرق به بين المرء وأبيه . وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجه ، وبين المرء وعشيرته .

فتفرقوا عنه بذلك ، وجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا للموسم ، لا يمر بهم أحد إلا حذروه وذكروا له أمره فعرف الناس أمره قبل أن يروه أو يسمعوا منه .

وجاءت أيام الحج فخرج النبي إلى مجامع الحجاج ورحالهم ومنازلهم ، ودعاهم إلى الإسلام ، وقال لهم :" يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " . وتبعه أبو لهب يكذبه ويؤذيه ، فصدرت العرب من ذلك الموسم وقد عرفوا أمر رسول الله وانتشر ذكره في بلاد العرب كلها .




سبل شتى لمواجهة الدعوة



سبل شتى لمواجهة الدعوة :

ولما انتهى الحج ، وعادت قريش إلى بيوتهم ، واطمأنوا كأنهم رأوا أن يعالجوا هذه

المشكلة التي نشأت لأجل قيام رسول الله بالدعوة إلى الله وحده ، ففكروا واستشاروا ، ثم اختاروا سبلاً شتى لمواجهة هذه الدعوة والقضاء عليها ، نذكرها فيما يلي بإيجاز .


سبل شتى لمواجهة الدعوة



الأول : مواصلة السخرية والاستهزاء وإلا كثار منها :

والقصد من ذلك تخذيل رسول الله والمسلمين ، وتوهين قواهم المعنوية ، فكانوا يتهمون رسول الله بأنه رجل مسحور ، شاعر مجنون ، كاهن يأتيه الشيطان ، ساحر كذاب ، مفتر متقول ، وغير ذلك من التهم والشتائم ، وكانوا إذا رأوه يجئ ويذهب ينظرون إليه نظر الغضب والنقمة ، كما قال الله – تعالى : } وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ { وكانوا إذا رأوه يتهكمون به ، ويقولون : } أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ { .

وإذا رأوا ضعفاء الصحابة قالوا : قد جاءكم ملوك الأرض } أهؤلاء من الله عليهم من بيننا { وكما قال الله تعالى : } إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ{29} وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ{30} وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ{31} وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاء لَضَالُّونَ { .

وقد أكثروا من السخرية والاستهزاء ، ومن الطعن والتضحيك حتى أثر ذلك في نفس النبي كما قال الله تعالى : } وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ { ثم ثبته الله – تعالى – وبين له ما يذهب بهذا الضيق ، فقال : } فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ{98} وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ { وقد بين له قبل ذلك ما فيه التسلية ، حيث قال : } إِنَّا كَفَيْنَاك الْمُسْتَهْزِئِينَ{95} الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ الله إِلـهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ {
( الحجر 9599 ) وأخبره أن فعلهم هذا سوف ينقلب وبالاً عليهم ، فقال } وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ { ( الأنعام 10، الأنبياء 41 )




الثاني : الحيلولة بين الناس وبين الاستماع إلى النبي :

فقد قرروا أن يثيروا لشغب ، ويرفعوا الضوضاء ، ويطردوا الناس كلما رأوا النبي يستعد ليقوم بالدعوة إلى الله فيما بينهم . وأن لا يتركوا له فرصة ينتهزها لبيان ما يدعوا إليه ، وقد تواصوا بذلك فيما بينهم . قال الله تعالى : } وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ { وقد ظلوا قائمين بذلك بكل شدة وصلابة ، حتى إن أول قرآن تمكن النبي من تلاوته في مجامعهم هو سورة النجم – وذلك في رمضان في السنة الخامسة من النبوة .

وكانوا إذا سمعوا النبي يتلو القرآن في صلاته – وأكثر ما كان يتلوه في صلاته بالليل – سبوا القرآن ، ومن أنزله ، ومن جاء به ، حتى أنزل الله – تعالى : } وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً { .

وذهب النضر بن الحارث إلى الحيرة والشام ، فتعلم منهم قصصاً شعبية ، كانوا يحكونها عن ملوكهم وأمرائهم مثل : رستم وإسفندريار ، فلما رجع أخذ يعقد النوادي والمجالس ، يقص هذه القصص ويصرف بها الناس عن الاستماع إلى النبي وإذا سمع بمجلس جلس فيه رسول الله للتذكير بالله ، خلفه في ذلك المجلس ، ويقص عليهم من تلك القصص ، ثم يقول بماذا محمد أحسن حديثاً مني .

ثم تقدم خطوة أخرى ، فاشترى جارية مغنية ، فكان لا يسمع بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى تلك المغنية ، ويقول : أطعميه واسقيه وغنيه . هذا خير مما يدعوك إليه محمد . وفي ذلك أنزل الله تعالى : } وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ { [ لقمان : 6 ]





الثالث : إثارة الشبهات تكثيف الدعايات الكاذبة :

فقد أكثروا من ذلك وتفننوا فيه ، فربما كانوا يقولون عن القرآن : إنه } أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ { أي أحلام كاذبة يراها محمد بالليل ، فيتلوها بالنهار ، وأحياناً كانوا يقولون :" افتراه من عند نفسه " ، وأحياناً كانوا يقولون : } إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ { [ 16، 103 ] وربما قالوا : } إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ { [ 254 ] أي اشتراك هو وزملاؤه في اختلاقه } وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً { [ 25 5 ]

وأحياناً قالوا : أن له جناً أو شيطاناً يتنزل عليه بالقرآن مثل ما ينزل الجن والشياطين على الكهان . قال – تعالى ردا عليهم : } هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ{221} تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ { أي إنها تنزل على الكذاب الفاجر المتلطخ بالذنوب ، وما جربتم علي كذباً . ولا وجدتم في فسقاً ، فكيف تقولون إن القرآن من تنزيل الشيطان ؟

وأحياناً كانوا يقولون عن النبي إنه قد أصابه نوع من الجنون ، فهو يتخيل المعاني ثم يصوغها في كلمات بديعة رائعة . كما يصوغ الشعراء ، فهو شاعر وكلامه شعر ، قال – تعالى – رداً عليهم : } وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ{224} أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ{225} وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ { فهذه ثلاث خصائص يتصف بها الشعراء ، ولا توجد واحدة منها في النبي فالذين اتبعوه هداة ، متقون ، صالحون في دينهم ، وخلقهم ، وأفعالهم ، وتصرفاتهم ، ومعاملاتهم ، ولا توجد عليهم مسحة من الغواية في أي شأن من شئونهم . وهو لا يهيم في الأودية كلها كما يهيم الشعراء ، بل يدعو إلى رب واحد ، ودين واحد ، وصراط واحد . وهو لا يقول إلا ما يفعل ، ولا يفعل إلا ما يقول ، فأين هو من الشعر والشعراء ؟ وأين الشعر والشعراء منه ؟




الرابع : النقاش والجدال :

وكانت ثلاث قضايا استغربها المشركون جداً ، وكانت هي الأساس في الخلاف الذي حصل بينهم وبين المسلمين في أمر الدين ، وهي : التوحيد ، والرسالة . والبعث بعد الموت . فكانوا يناقشون في هذه القضايا ، ويجادلون حولها .

فأما البعث بعد الموت فلم يكن عندهم في ذلك إلا التعجب والاستغراب ، والاستبعاد العقلي فقط ، فكانوا يقولون : } أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ{16} أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ {
[ الصافات :17] وكانوا يقولون : } ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ { [ ق: 3] . وكانوا يقولون :
} هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ{7} أَفْتَرَى عَلَى الله كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ { [ سبأ : 7،8] وقال قائلهم

أموت ثم بعث ثم حشر حديث خرافة يا أم عمرو

وقد رد الله عليهم بأنواع من الردود ، حاصلها أنهم يشاهدون في الدنيا أن الظالم يموت دون أن يلقى جزاء ظلمه ، والمظلوم يموت دون أن يأخذ حقه من ظالمه ، والمحسن الصالح يموت قبل أن يلقى جزاء إحسانه وصلاحه ، والمسئ يموت قبل أن يعاقب على سيئاته ، فإن لم يكن بعد الموت يوم يبعث فيه الناس . فيؤخذ من الظالم للمظلوم ، ويجزي المحسن الصالح ، ويعاقب المسئ الفاجر ، لا ستوى الفريقان ، ولا يكون بينهما فرق ، بل يصير الظالم والمسئ أسعد من المظلوم والمحسن التقي . هذا غير معقول إطلاقاً ، وليس من العدل في شئ، ولا يتصور من الله – سبحانه – أن يبني نظام خلقه على مثل هذا الظلم والفساد . قال تعالى : } أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ{35} مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ{ [ القلم : 35 36 ] وقال : } أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ { [ الجاثية : 21] .

وأما الاستبعاد العقلي ، فقال رداً عليهم في ذلك : } أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء {
[ النازعات : 27 ]

وقال : } أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{ [ الأحقاف : 33 ] وقال } وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ { [ الواقعة : 62 ] وقال : } كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ {
[ الأنبياء : 104 ] . وذكرهم ماهو معتاد لديهم ، وهو أن الإعادة } أَهْوَنُ عَلَيْهِ { [ الروم : 27 ] وقال : } أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ { [ق:15]

وأما رسالة النبي فكانت لهم حولها شبهات مع معرفتهم واعترافهم بصدق النبي وأمانته وغاية صلاحه وتقواه ، وذلك أنهم كانوا يعتقدون أن منصب النبوة والرسالة أعظم وأجل من أن يعطى لبشر . فالبشر لا يكون رسولاً ، والرسول لا يكون بشراً ، حسب عقيدتهم ، فلما أعلن رسول الله عن نبوته ورسالته ، ودعا إلى الإيمان به تحير المشركون، وتعجبوا ، وقالوا :
} مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ { وقال تعالى : } بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ {ق2 . وقالوا } مَا أَنزَلَ الله عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ { .

وقد أبطل الله عقيدتهم هذه ، وقال رداً عليهم :} قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ { [ النعام : 91 ] . وقص عليهم قصص الأنبياء والرسل ، وما جرى بينهم وبين قومهم من الحوار ، وأن قومهم قالوا إنكاراً لرسالتهم : } إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا { و} قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـكِنَّ الله يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ{
[ إبراهيم : 10‘11] . فالأنبياء والرسل كلهم كانوا بشراً . وأما أن يكون الرسول ملكاً فإن ذلك لا يفي بغرض الرسالة ومصلحتها ، إذ البشر لا يستطيع أن يتأسى بالملائكة ، ثم تبقى الشبهة كما هي ، قال تعالى : } وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ { . [ الأنعام : 9 ]

وحيث إن المشركين كانوا يعترفون أن إبراهيم وإسماعيل وموسى عليهم السلام كانوا رسلاً وكانوا بشراً ، فإنهم لم يجدوا مجالاً للإصرار على شبهتهم هذه ، ولكنهم أبدوا شبهة أخرى قالوا : ألم يجد الله لحمل رسالته إلا هذا اليتيم المسكين ؟ ما كان الله ليترك العظماء الكبار من أشراف قريش وثقيف ، ويرسل هذا ، }َوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ { أي من مكة والطائف ، قال – تعالى – رداً عليهم : } أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ { [ الزخرف : 31 ، 32 ]

يعني أن الوحي والقرآن والنبوة والرسالة رحمة من0 الله ، والله يعلم كيف يقسم رحمته ، وأين يضعها ، فمن يعطيها ، ومن يحرمها ، قال – تعالى } الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ { . [ الأنعام : 124]

فانتقلوا بعد ذلك إلى شبهة أخرى قالوا : إن من يكون رسولاً لملك من ملوك الدنيا يوفر له الملك أسباب الحشمة والجاه من الخدم ، والحشم ، والضيعة ، والمال ، والأبهة ، والجلال ، وغير ذلك ، وهو يمشي في موكب من الحرس والمرافقين أصحاب العز والشرف ، فما بال محمد يدفع في الأسواق للقمة عيش و يدعى إنه رسول الله ؟ } لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً{7} أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَّسْحُوراً{8} { [ الفرقان : 7:8 ]

ومعلوم أن النبي كان قد أرسل إلى جميع أنواع البشر : صغارهم وكبارهم ، وضعافهم وأقويائهم ، وأذنابهم وأشرافهم ، وعبيدهم وأحرارهم ، فلو حصل له ما تقدم من الأبهة ، والجلال ، ومواكبة الخدم ، والحشم ، والكبار ، لم يكن يستفيد به ضعفاء الناس وصغارهم ، وهم جمهور البشر ، وإذن لفاتت مصلحة الرسالة ، ولم تعد لها فائدة تذكر . ولذلك أجيب المشركون على طلبهم هذا بأن محمداً رسول ، يعني يكفي لدحض شبهتكم هذه أنه رسول ، الذي طلبتموه له من الحشمة والجاه والموكب والمال ، ينافي تبليغ الرسالة في عامة الناس ، بينما هم مقصودون بالرسالة .

فلما ردً على شبهتهم هذه تقدموا خطوة أخرى ، وأخذوا يطالبون بالآيات عناداً وتعجيزاً ، فدار بينهم وبين النبي نقاش وحوار ، وسنأتي على شئ منه إن شاء الله .

أما قضية التوحيد فكانت رأس القضايا وأصل الخلاف ، وكان المشركون يقرون بتوحيد الله – سبحانه وتعالى – في ذاته وصفاته وأفعاله ، فكانوا يعترفون بأن الله – تعالى – هو الخالق الذي خلق السموات والأرض وما بينهما ، وهو خالق كل شئ ، وهو المالك الذي بيده ملكوت السموات والأرض وما بينهما ، وملكوت كل شئ ، وهو الرازق الذي يرزق الناس والدواب والأنعام ، ويرزق كل حي ، وهو المدبر الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ، ويدبر أمر كل صغير وكبير حتى الذرة والنملة ، وهو رب السماوات والأرض وما بينهما ورب العرش العظيم ، ورب كل شئ ، سخر الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب والجن والإنس والملائكة ، كل له خاضعون ، يجبر من يشاء على من يشاء ولا يجار عليه أبداً ، يحيي ويميت ، ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، ولا معقب لحكمه ، ولا راد لقضائه .

وهم بعد هذا الإقرار الصريح لتوحيد الله – سبحانه وتعالى – في ذاته وصفاته وأفعاله كانوا يقولون : إن الله تعالى أعطى بعض عبادة المقربين – كالأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين – شيئاً من التصرف في بعض أمور الكون ، فهم يتصرفون فيه بإذنه مثل : هبة الأولاد ، ودفع الكربات ، وقضاء الحوائج ، وشفاء المرضى ، وأمثال ذلك . وأن الله إنما أعطاهم ذلك لقربهم من الله ، ولجاههم عند الله . فهم لأجل أن الله منحهم هذا التصرف وهذا الخيار يقضون بعض حاجات العباد عن طريق الغيب ، فيكشفون عنهم بعض الكربات ، ويدفعون بعض البليات ، ويقربون إلى الله من يرضون به ، ويشفعون له عنده .

والمشركون على أساس زعمهم هذا جعلوا هؤلاء الأنبياء والأولياء والصالحين وسيلة فيما بينهم وبين الله ، واخترعوا أعمالاً يتقربون بها إليهم ، ويبتغون بها رضاهم ، فكانوا يأتون بتلك الأعمال ثم يتضرعون إليهم ، ويدعونهم لقضاء حوائجهم ، ويستغيثون بهم في شدائدهم ، ويستعيذون بهم في مخاوفهم .

أما ألأعمال التي اخترعوها للتقرب إليهم فهي أنهم خصصوا لهؤلاء الأنبياء أو الأولياء والصالحين أماكن ، وبنوا لهم فيها البيوت ، ووضعوا فيها تماثيلهم التي نحتوها طبق صورهم الحقيقية أو الخيالية ، وربما وجدوا قبور بعض الأولياء والصالحين حسب زعمهم ، فبنوا عليها البيوت دون أن ينحتوا لهم التماثيل ، ثم كانوا يقصدون هذه التماثيل وتلك القبور ، فكانوا يمسحونها ويتبركون بها ، ويطوفون حولها ، ويقومون لها بالإجلال والتعظيم ، ويقدمون إليها النذور والقرابين ، ليتقربوا بها إليهم ، ويبتغوا بها من فضلهم ، وكانوا ينذرون لهم مما كان يرزقهم الله من الحرث والزرع والطعام والشراب والدواب والأنعام والذهب والفضة والمتعة والأموال .

فأما الحرث والزرع والطعام والشراب والذهب والفضة والأمتعة والأموال فكانوا يقدمونها إلى أماكن وقبور هؤلاء الصالحين ، أو إلى تماثيلهم ، بواسطة سدنة وحجاب كانوا يجاورون تلك القبور والبيوت ، ولم يكن يقدم إليها شئ إلا بواسطتهم في معظم الأحوال .

وأما الدواب والأنعام فكان لهم فيها طرق . فربما كانوا يسيبونها باسم هؤلاء الأولياء والصالحين ، من أصحاب القبور أو التماثيل ، تقرباً إليهم وإرضاءً لهم ، فكانوا يقدسون هذه الدواب ، ولا يتعرضون لها بسوء أبداً ، ترتع ما شاءت ، وتتجول أين شاءت . وربما كانوا يذبحونها على أنصاب هؤلاء الأولياء – أي على قبورهم وأماكنهم المخصصة لهم – وربما كانوا يذبحونها في أي مكان آخر ، ولكن كانوا يذكرون أسماءهم بدل اسم الله – سبحانه وتعالى – .

وكان من جملة أعمالهم أنهم كانوا يحتفلون بهؤلاء الأولياء والصالحين مرة أو مرتين في السنة ، فكانوا يقصدون قبورهم وأماكنهم من كل جانب ، فيجتمعون عندها في أيام خاصة ، ويقيمون لها أعياداً ، يفعلون فيها كل ما تقدم من التبرك والمسح والطواف وتقديم النذور والقرابين وغير ذلك ، وكان كالموسم يحضره الداني والقاصي ، والشريف والوضيع ، حتى يقدم كل أحد نذره ، وينال بغيته .

كان المشركون يفعلون كل ذلك بهؤلاء الأولياء والصالحين تقرباً إليهم وإرضاءً لهم ، ليجعلوهم وسطاء بينهم وبين الله ، وليتوسلوا بهم إلى الله ، معتقدين إنهم يقربونهم إلى الله زلفى ، ويشفعون لهم عند الله ، ثم كانوا يدعونهم لقضاء حوائجهم ودفع كرباتهم ، معتقدين أنهم يسمعون لما قالوا ، ويستجيبون لما دعوا وطلب منهم ، فيقضون حوائجهم ، ويكشفون كرباتهم ، إما بأنفسهم ، وإما بشفاعتهم لذلك عند الله .

فكان هذا هو شركهم بالله ، وعبادتهم لغير الله ، واتخاذهم آلهة من دون الله ، وجعلهم شركاء لله ، وكان هؤلاء الأولياء والصالحون وأمثالهم هم آلهة المشركين .

فلما قام النبي بالدعوة إلى التوحيد الله ، وخلع كل ما اتخذوه إلهاً من دون الله ، شق ذلك على المشركين ، وأعظموه ، وأنكروه ، وقالوا : إنها مؤامرة أريد بها غير ما يقال ، وقالوا :
} أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ{5} وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ{6} مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ { .

ثم لما تقدمت الدعوة وقرر المشركون الدفاع عن شركهم ، والدخول في النقاش والجدال ومناظرة المسلمين ليكفوا بذلك الدعوة إلى الله ، ويبطلوا أثرها في المسلمين ، أقيمت عليهم الحجة من عدة جوانب ، فقيل لهم : من أين علمتم أن الله تعالى أعطى عباده المقربين التصرف في الكون ، وأنهم يقدرون على ما تزعمون من قضاء الحوائج وكشف الكربات ؟ هل اطلعتم على الغيب ؟

أو وجدتم ذلك في الكتاب ورثتموه من الأنبياء أو أهل العلم ؟

قال – تعالى – :} أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ { [ الطور: 41 القلم : 47 ]

وقال : } اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ { [ الأحقاف 4]

وقال :} قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ { [ الأنعام :148]

وكان من الطبيعي أن يعترف المشركون بأنهم لم يطلعوا على الغيب ، ولا وجدوا ذلك في كتاب من كتب الأنبياء ، ولا أخذوه من أهل العلم ، فقالوا : } بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا {
[ لقمان : 21] و} إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ { [ الزخرف :22 ]

وبهذا الجواب تبين عجزهم وجهلهم معا ، فقيل لهم : إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ، فاسمعوا منه – سبحانه وتعالى – ما يقوله ويخبر به عن حقيقة شركائكم هؤلاء يقول – تعالى : } إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ { [ الأعراف : 194] أي إنهم لا يقدرون على شئ مما يختص بالله – سبحانه وتعالى – كما أنكم لا تقدرون عليه ، فأنتم وهم سواء في العجز وعدم القدرة ، ولذلك تحداهم بقوله : } فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ { [ الأعراف : 194 ]

وقال – تعالى : } وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ { أي بقدر ما يكون من القشرة الرقيقة فوق النواة } إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ { [ فاطر : 13،14] وقال تعالى : } وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ{20} أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ {
[ النحل 20،21] وقال – تعالى } أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ{191} وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ { [ الأعراف 191،192] وقال : } وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً { [ الفرقان :3]

ثم رتب على عجز هؤلاء الآلهة ، وعدم قدرتهم على ما كانوا يزعمون ، وأن دعاءهم والرجاء منهم لغو وباطل لا فائدة فيه إطلاقاً ، وذكر لذلك بعض الأمثلة الرائعة ، وذلك مثلاً قال – تعالى : } وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ { [ الرعد : 14]

ثم دعى المشركين إلى قليل من التفكير ، وحيث إنهم كانوا يعترفون بأن الله – تعالى – هو خالق كل شئ ، وأن آلهتهم لم يخلقوا شيئاً ، ولا يستطيعون أن يخلقوا شيئاً ، بل هم أنفسهم مخلوقون لله ، فقيل لهم : فكيف سويتم بين الله الخالق القادر وبين هؤلاء المخلوقين العجزة ؟ كيف سويتم بينهما في العبادة والدعاء ؟ فإنكم تعبدون الله وتعبدون هؤلاء ، وتدعون الله وتدعون هؤلاء } أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ { .

فلما وجه إليهم هذا السؤال بهتوا ، وذهبت عنهم حجتهم ، فسكتوا وندموا ، ثم تشبثوا بأمر باطل ، قالوا : إن آباءنا كانوا من أعقل البشر ، معروفين بذلك فيما بين الناس ، قد اعترف بفضل عقولهم الداني والقاصي ، وهم كلهم كانوا على هذا الدين ، فكيف يمكن أن يكون هذا الدين ضلالاً وباطلاً ؟ ولا سيما وآباء النبي وآباء المسلمين أيضاً كانوا على هذا الدين .

فرد عليهم بأنهم كانوا مهتدين ، ولم يعرفوا سبيل الحق ، ولا سلكوه ويستلزم هذا أنهم كانوا ضالين ، لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون ، وقد قيل لهم بذلك أحياناً بالإشارة والكناية ، وأحيانا بالصراحة الكاملة ، مثل قوله – تعالى } إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ{69} فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ {
[ الصافات : 69، 70 ]

هذه من جهة ، ومن جهة أخرى أخذ المشركون يخوفون النبي والمسلمين من آلهتهم ، يقولون : إنكم أسأتم الأدب إلى آلهتنا ببيان عجزهم ، فهم سوف يغضبون عليكم ، فتهلككم أبو تخبطكم لأجل ذلك ، وهذا كما كان الأولون يقولون لرسلهم :} إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ { .

ورد على ذلك بتذكير المشركين وإلزامهم بما كانوا يشاهدونه ليلاً ونهاراً ، وهي أن هذه الآلهة لا تستطيع أن تتحرك من أماكنها ، وتتقدم أو تتأخر شيئاً ، أو تدفع عن نفسها شراً ، فكيف تستطيع أن تضر المسلمين وتهلكهم ؟ } أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ { [ الأعراف : 195 ] .

وضرب لهم بمثل هذه المناسبة بعض الأمثال الصريحة ، مثل قوله – تعالى } يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ { [ الحج :73] ومثل قوله – تعالى } مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ { [ العنكبوت : 41] وقد بين بعض المسلمين عجزهم هذا بقوله :

أرب يبول الثعبان يرأسه لقد ذل من بالت الثعالب

فلما وصلت النوبة إلى مثل هذه المصارحة هاج المشركون وما جوا ، وسبوا المسلمين حتى سبوا ربهم الله – سبحانه وتعالى – فأما المسلمون فقد نهاهم الله – سبحانه وتعالى – عن معاودة ما يسبب ذلك ، وقال : } وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ { .

وأما المشركون فقد قرروا إحباط الدعوة ، والصد عن سبيل الله بالضغط والقوة والعنف ، فقام كل كبير ورئيس بتعذيب من آمن من قبيلته ، وذهب جمع منهم إلى أبي طالب ليكف هو رسول الله عن الدعوة إلى الله .


سبل شتى لمواجهة الدعوة



تعذيب المسلمين :

فأما تعذيبهم المسلمين فقد أتوا فيه بأنواع تقشعر لها الجلود ، وتتفطر منها القلوب .

· كان بلال بن رباح t مملوكاً لأمية بن خلف الجمحي ، فكان أمية يجعل في عنقه حبلاً ، ويدفعه إلى الصبيان ، يلعبون به ، وهو يقول : أحد أحد . وكان يخرج به في وقت الظهيرة ، فيطرحه على ظهره في الرمضاء ، وهي الرمل أو الحجر الشديد الحرارة ، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ، ثم يقول : لا يزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى ، فيقول أحد ، أحد .

ومر به أبو بكر t يوماً وهو يعذب فاشتراه وأعتقه لله .

· وكان عامر بن فهيرة يعذب حتى يفقد وعيه ، ولا يدري ما يقول .

· وعذب أبو فكيهة – واسمه أفلح ، قيل : كان من الأزر ، وكان مولى لبني عبد الدار ، فكانوا يخرجونه في نصف النهار في حر شديد ، وفي رجليه قيد من حديد ، فيجردونه من الثياب ، ويبطحونه في الرمضاء ، ثم يضعون على ظهره صخرة حتى لا يتحرك ، فكان يبقى كذلك حتى لا يعقل ، فلم يزل يعذب كذلك حتى هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية ، وكانوا مرة قد ربطوا رجليه بحبل ، ثم جروه ، وألقوه في الرمضاء ، وخنقوه حتى ظنوا أنه قد مات ، فمر به أبو بكر فاشتراه وأعتقه لله .

· وكان خباب بن الأرت ممن سبي في الجاهلية ، فاشترته أم أنمار بنت سباع الخزاعية ، وكان حداداً ، فلما أسلم عذبته مولاته بالنار ، كانت تأتي بالحديدة المحماة فتجعلها على ظهره ليكفر بمحمد فلم يكن يزيده ذلك إلا إيماناً وتسليماً ، وكان المشركون أيضاً يعذبونه ، فيلوون عنقه ، ويجذبون شعره ، وقد ألقوه مراراً على فحم النار . ثم وضعوا على صدره حجراً ثقيلاً حتى لا يقوم .

· وكانت زنيرة أمة رومية ، أسلمت ، فعذبت في الله ، وأصيب في بصرها حتى عميت ، فقيل لها : أصابتك اللات والعزى ، فقالت : لا والله ما أصابتني ، وهذا من الله ، وإن شاء كشفه ، فأصبحت من الغد ، وقد رد الله بصرها ، فقالت قريش : هذا بعض سحر محمد .

· وأسلمت أم عبيس : جارية لبني زهرة ، فكان يعذبها مولاها الأسود بن عبد يغوث ، وكان من أشد أعداء رسول الله ومن المستهزئين به .

· وأسلمت جارية عمرو بنن مؤمل من بني عدي ، فكان عمر بن الخطاب يعذبها ، هو يومئذ على الشرك ، فكان يضربها حتى يفتر ، ثم يدعها ، ويقول : الله ما أدعك إلا سآمة ، فتقول : كذلك يفعل بك ربك .

· وتذكر فيمن أسلمن وعذبن من الجواري : النهدية ، وابنتها وكانتا لا مرأة من بني عبد الدار .

واشترى أبوبكر t هؤلاء الجواري ، وأعتقهن كما أعتق بلالاً وعامر بن فهيرة ، وأبا فكيهة . وقد عاتبه أبوه أبو قحافة ، وقال : أراك تعتق رقاباً ضعافاً ، فلو أعتقت رجالاً جلداً لمنعوك . فقال :} فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى{14} لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى{15} الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى { وهو أمية بن خلف ، ومن كان على شاكلته }وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى{17} الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى{18} وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى{19} إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى{20} وَلَسَوْفَ يَرْضَى{21} { وهو أبوبكر الصديق – رضي الله تعالى عنه وعمن أعتقهم ، وعن الصحابة أجمعين .

· وعذب عمار بن ياسر وأمه وأبوه – رضي الله عنهم – وكانوا حلفاء بني مخزوم ، فكان بنو مخزوم – وعلى رأسهم أبو جهل – يخرجونهم إلى الأبطح ، إذا حميت الرمضاء ، فيعذبونهم بحرها ، ويمر بهم رسول الله فيقول :" صبراً آل ياسر موعدكم الجنة ، اللهم اغفر لآل ياسر "

أما ياسر والد عمار – وهو ياسر بن عامر بن مالك العنسي المذحجي – فقد مات تحت العذاب . وأما أم عمار – وهي سمية بنت خياط مولاة أبي حذيفة المخزومي ، وكانت عجوزاً كبيرة ضعيفة ، فطعنها أبو جهل في قبلها بحربة ، فماتت ، وهي أول شهيدة في الإسلام .

وأما عمار فثقل عليه لعذاب ، فإن المشركين تارة كانوا يلبسونه درعاً من حديد في يوم صائف ، وتارة كانوا يضعون على صدره صخراً أحمر ثقيلاً ، وتارة كانوا يغطونه في الماء ، حتى قال بلسانه بعض ما يوافقهم ، وقبله ملئ بالإيمان ، فأنزل الله } مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ { .

· وعذب في الله مصعب بن عمير ، كان من أنعم الناس عيشاً ، فلما دخل في الإسلام منعته أمه الطعام والشراب ، وأخرجته من البيت ، فتخشف جلده تخشف الحية .

· وعذب صهيب بن سنان الرومي ، حتى فقد وعيه ، ولا يدري ما يقول .

· وعذب عثمان بن عفان ، كان عمه يلفه في حصير من ورق النخيل ، ثم يدخنه من تحته .

· وأوذي أبو بكر الصديق ، وطلحة بن عبيد الله ، أخذهما نوفل بن خويلد العدوي وقيل : عثمان بن عبيد الله ، أخو طلحة بن عبيد الله ، فشدهما في حبل واحد ، ليمنعها عن الصلاة وعن الدين ، فلم يجيباه ، فلم يروعاه إلا وهما مطلقان يصليان ، وسميا بالقرينين لكونهما قد شدا في حبل واحد .

وكان أبو جهل إذا سمع برجل قد أسلم وله شرف ومنعة ، أنبه ، وأخزاه ، وأوعده بإلحاق الخسارة الفادحة في المال والجاه ، وإذا كان الرجل ضعيفاً ضربه وأغرى به . والحاصل أنهم لم يعلموا بأحد دخل في الإسلام إلا وتصدوا له بالأذى والنكال .

كانت هذه الاعتداءات ضد الضعفاء المسلمين وعامتهم . أما من أسلم من الكبار والأشراف فإنهم كانوا يحسبون له حساباً ، ولم يكن يجترئ عليهم إلا أمثالهم من رؤساء القبائل وأشرافها ، وذلك مع قدر كبير من الحيطة والحذر .

























الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydati.yoo7.com
الأوراسية الحرة
مديرة المنتدى
مديرة المنتدى
avatar

البلد : جزائر
انثى
عدد المساهمات : 702
نقاط : 3676
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
الموقع الموقع : http://saydati.yoo7.com/

مُساهمةموضوع: رد: محمد أصله ، ونشأته ، وأحواله قبل النبوة   السبت 28 يناير - 10:51



موقف المشركين من رسول الله



موقف المشركين من رسول الله :

أما رسول الله فكان له من الشهامة والشرف والوقار ما وقاه الله به كثيراً من اعتداءات الناس . وقد كان يحوطه ويمنعه أبو طالب ، وكان سيداً مطاعاً معظماً في قريش ، ولا يستهان بذمته ولا تخفر ، كان من ذروة بني عبد مناف ، ولم تعرف لها قريش بل العرب إلا الإجلال والتكريم ، فاضطر المشركون بالنسبة للنبي إلى اتخاذ خطوات سليمة ، واختاروا سبيل المفاوضات مع عمه أبي طالب ، ولكن مع نوع من أسلوب القسوة والتحدي .




بين قريش وأبي طالب :

فقد مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب ، وقالوا له :إن ابن أخيك قد سب آلهتنا ، وعاب ديننا ، وسفه أحلامنا ، وضلل آباءنا ، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه ، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه ، فنكفيكه .

فقال لهم أبو طالب قولاً رفيقاً ، وردهم رداً جميلاً ، فانصرفوا عنه ، ومضى رسول الله على ما هو عليه ، يظهر دين الله ويدعو إليه .


إنذار قريش وتحديهم لأبي طالب :

ولم تصبر قريش طويلاً حين رأوا النبي ماضياً في عمله ودعوته إلى الله ، فقد أكثروا ذكره وتذامروا فيه ، ثم مشوا إلى أبي طالب ، وقالوا : يا أبا طالب إن لك سنا ، وشرفاً ، ومنزلة فينا ، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا ، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك ، حتى يهلك أحد الفريقين ، ثم انصرفوا .

وعظم على أبي طالب هذا التحدي والإنذار ، فدعا رسول الله وذكر له ما قالوه ، وقال له : أبق علي وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر مالا أطيق ، فلما رأى رسول الله ضعفه قال : يا عم ! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ، حتى يظهره الله أو أهلك فيه ، ما تركته . ثم استعبر وبكى . وعادت إلى أبي طالب الرقة والثقة ، فقال : اذهب يا ابن أخي ! فقل ما أحببت ، فو الله لا أسلمك لشئ أبداً .




اقتراح غريب من قريش ، ورد طريف من أبي طالب :

ورأت قريش أن إنذارهم لم يجد نفعاً ، فالرسول ماض في عمله ، وأبو طالب قائم بنصرته . وهذا يعني أنه مستعد لفراقهم وعداوتهم ومنازلتهم في نصرة ابن أخيه محمد فلبثوا ملياً يفكرون ويتشاورون ، حتى وصلوا إلى اقتراح غريب ، فقد جاءوا إلى أبي طالب ، ومعهم عمارة بن الوليد سيد شبابهم وأنهد فتى في قريش وأجمله ، فقالوا : يا أبا طالب خذ هذا الفتى ، فلك عقله ونصره ، واتخذه ولداً ، فهو لك ، وأسلم إلينا أبن أخيك هذا الذي خالف دينك ودين آبائك ، وفرق جماعة قومك ، وسفه أحلامهم ، فنقتله ، فإنما هو رجل برجل .

قال أبو طالب : والله لبئس ما تسومونني ، أتعطوني ابنكم أغذوه لكم ، وأعطيكم ابني تقتلونه ؟ هذا والله مالا يكون أبداً .





اعتداءات على رسول الله :

ولما فشلت قريش ويئسوا ، ورأوا أن الإنذار والتحدي والمساومة لم تجد نفعاً ، بدأوا بالاعتداءات على ذات الرسول وزادوا في تعذيب المسلمين والتنكيل بهم .

وحيث إن الرسول كان معززاً محتشماً محترماً ، فقد تولى إيذاءه كبراء قريش ورؤساؤهم ، ولم يجترئ على ذلك أذنابهم وعامتهم .

وكان النفر الذين يؤذونه في بيته أبا لهب ، والحكم بن أبي العاص بن أمية ، وعقبة بن أبي معيط ، وعدي بن حمراء الثقفي ، وابن الأصداء الهذلي – وكانوا جيرانه فكان أحدهم يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلي ، وكان يطرحها في برمته إذا نصبت ، وكانوا إذا طرحوا عليه ذلك يخرج به على العود فيقف به على بابه ويقول : يا بني عبد مناف ! أي جوار هذا ؟! ثم يلقيه في الطريق .

وكان أمية بن خلف إذا رآه همزه ولمزه . والهمز : الطعن والشتم علانية ، أو كسر العينين والغمز بهما . واللمز : العيب والإغراء .

وكان أخوه أبي بن خلف يتوعد النبي يقول : يا محمد إن عندي العود ، فرساً أعلفه كل يوم فرقاً من ذرة أقتلك عليه . حتى قال له رسول الله : بل أنا أقتلك إن شاء الله – وقد قتله يوم أحد – وجاء أبي بن خلف هذا يوماً بعظم بال رميم ، ونفخه في وجه رسول الله .

وجلس عقبة بن أبي معيط إلى النبي وسمع منه ، فبلغ أبيا – وكان صديقه – فعاتبه ، وطلب منه أن يتفل في وجه رسول الله ففعل .

أما أبو لهب فقد عاداه وآذاه من أول يوم ظهرت فيه الدعوة إلى الله . وكانت في عقد ابنيه عتبة وعتبية ابنتا رسول الله رقية وأم كلثوم ، فقال لهما : رأسي من رأسكما حرام إن لم تطلقا بنتي محمد ، وقالت زوجته أيضاً : طلقاهما فإنهما قد صبأتا ، فطلقاهما .

وكانت زوجته هذه – وهي أم جميل أروى بنت حرب – أيضاً عدوة لدودة لرسول الله ودعوته ، فكانت تأتي بالأغصان وفيها الشوك ، فتطرحها في سبيل رسول الله بالليل ، حتى يعقر هو وأصحابه .

وسمعت بنزول } تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ { فجاءت وفي يدها فهر – أي مل الكف من الحجارة – وهي تبحث عن رسول الله وهو جالس مع أبي بكر عند الكعبة فأخذ الله ببصرها ، فلم تكن ترى إلا أبا بكر ، فقالت : أين صاحبك ؟ قد بلغني أنه يهجوني ، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه ، أما الله أني لشاعرة ثم قالت :

مذمماً عصينا وأمره أبينا ودينه قلينا

ثم انصرفت ، فقال أبو بكر : يا رسول الله أما تراها رأتك ، فقال : ما رأتني لقد أخذ الله ببصرها .

وكان مما تؤذي به قريش أنهم كانوا يسمون رسول الله مذمما بدل محمد ، يشتمون بذلك ويسبون ، ولكن صرف الله ذلك عنه ، حيث إنهم كانوا يشتمون مذمما وهو محمد

وكان الأخنس بن شريق الثقفي أيضاً ينال من رسول الله

وأما أبو جهل فكأنه كان قد تحمل عبء الصد عن سبيل الله . وقد كان يؤذي النبي بقوله ، وينهاه عن الصلاة ، ويفخر ويختال بما فعل ، حتى شدد على رسول الله وتوعده في يوم رآه يصلي ، فانتهره رسول الله وأخذه بخناقه ، وهزه قال :} أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى { فقال : أتوعدني يا محمد ! والله لا تستطيع أنت ولا ربك شيئاً . وإني لأعز من مشى بين جبليها .

وقال لرفقته يوماً : يعفر محمد وجه بين أيديكم ، قالوا : نعم . فقال : واللات والعزى لئن رأيته لأطأن على رقبته ، ولأعفرن وجهه . فأتى رسول الله وهو يصلي زعم ليطأ رقبته فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه ، ويتقى بيديه ، فقالوا : مالك يا أبا الحكم ؟ قال : إن بيني وبينه خندقاً من نار وهولاً وأجنحة ، فقال رسول الله : لو دنا مني لا ختطفته الملائكة عضواًَ عضوا .

وحاز مثل هذه الشقاوة عقبة بن أبي معيط ، فقد كان رسول الله يصلي يوماً عند البيت ، وأبو جهل وأصحاب له جلوس ، إذ قال بعضهم لبعض : أيكم يجئ بسلا جزور بني فلان . فيضعه على ظهر محمد إذا سجد . فانبعث أشقى القوم عقبة بن أبي معيط ، فجاء به وانتظر ، فلما سجد وضعه بين كتفيه ، فجعلوا يضحكون ، ويحيل ( أي يميل ) بعضهم على بعض ، وهو ساجد لا يرفع رأسه ، حتى جاءته فاطمة وطرحته عن ظهره ، فرفع رأسه ، ثم قال :" اللهم عليك بقريش ". فشق ذلك عليهم إذ دعا عليهم ، وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة ، ثم سماهم رجلاً رجلاً :" اللهم عليك بفلان وفلان ". وقد قتلوا كلهم يوم بدر .

وكان عظماء المستهزئين برسول الله خمسة : الوليد بن المغيرة المخزومي ، والأسود بن عبد يغوث الزهري ، وأبو زمعة الأسود بن عبد المطلب الأسدي ، والحارث بن قيس الخزاعي ، والعاص بن وائل السهمي ، وقد أخبر الله رسوله أنه سيكفي شرهم فقال :} إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ { ثم أنزل على كل منهم ما فيه عبرة وعظة .

فأما الوليد فكان قد أصابه قبل سنين خدش من سهم ، ولم يكن شيئاً ، فأشار جبريل إلى أثر ذلك الخدش فانتفض ، فلم يزل يؤلمه ويؤذيه حتى مات بعد سنين .

وأما الأسود بن عبد يغوث فأشار جبريل إلى رأسه ، فخرج فيه قروح ، فمات منها ، وقيل : أصابه سموم ، قيل : أشار جبريل إلى بطنه ، فاستسقى بطنه ، وانتفخ ، حتى مات .

وأما الأسود بن عبد المطلب فلما تضايق رسول الله من أذاه دعا عليه ، وقال :" اللهم أعم بصره ، وأثكله ولده " فرماه جبريل بشوك في وجهه حتى ذهب بصره . رومي ولده زمعة حتى مات .

وأما العاص بن وائل ، فجلس على شبرقة ، فدخلت شوكة لها من أخمص قدمه ، وجرى سمها إلى رأسه حتى مات .

هذه صورة مصغرة لما كان يعانيه رسول الله والمسلمون من قريش بعد إعلان الدعوة والجهر بها . وقد اتخذ رسول الله خطوتين إزاء هذا الموقف المتأزم .




دار الأرقم :

الأولى : أنه جعل دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي مركز الدعوة والعبادة ومقر التربية ، لأنها كانت في أصل الصفا ، بعيدة عن أعين الطغاة ، فكان يجتمع فيها مع صاحبته سراً ، فيتلو عليهم آيات الله ، ويزكيهم ، ويعلمهم الكتاب والحكمة : وبهذا التدبير وقى أصحابة كثيراً من الإحداث التي كان يخشى وقوعها لو اجتمع بهم جهراً وعلانية ، أما هو فكان يدعو الله ويدعو إليه جهراً بين ظهراني المشركين ، لا يصرفه عن ذلك ظلم ، ولا عدوان ، ولا سخرية ، ولا استهزاء ، وكان ذلك من حكمة الله حتى تبلغ ، ولئلا يقول قائل يوم القيامة : ما جاءنا من بشير ولا نذير .




الهجرة إلى الحبشة :

الخطوة الثانية : أنه أشار على المسلمين أن يهاجروا إلى الحبشة ، بعد أن تأكد أن النجاشي ملك عادل لا يظلم عنده أحد .

وفي رجب سنة 5 من النبوة هاجر أول دفعة من المسلمين ، وكانوا اثني عشر رجلاً وأربع نسوة ، رئيسهم عثمان بن عفان الأموي t ومعه زوجه رقية بنت رسول الله وهما أول بيت هاجر في سبيل الله بعد إبراهيم ولوط عليهما السلام .

خرج هؤلاء الصحابة سراً في ظلام الليل قاصدين ميناء شعيبة جنوب جدة ، وكان من قدر الله أنهم وجدوا سفينتين تجاريتين فركبوهما حتى وصلوا إلى الحبشة .

أما قريش فلما علموا بخروجهم هاجوا وغضبوا ، وأسرعوا في آثارهم حتى يلقوا عليهم القبض ، ويردوهم إلى مكة ، ليواصلوا التنكيل والتعذيب ، ويصرفوهم عن دين الله ، ولكن المسلمين فاتوهم إلى البحر ، فرجعوا خائبين بعدما وصلوا إلى الساحل .




الهجرة الأولى إلى الحبشة



موافقة المشركين للمسلمين وسجودهم في سورة النجم :

وفي رمضان سنة خمس من النبوة أي بعد الهجرة المسلمين بحوالي شهرين خرج رسول الله إلى المسجد الحرام ، وحول الكعبة جمع كبير من قريش ، فيهم ساداتهم وكبراؤهم ، وكانت قد نزلت عليه سورة النجم ، فقام فيهم ، وأخذ يتلوها فجاءة ، وكان أروع كلام سمعوه قط ، فاندهشوا لروعة هذا الكلام ، وأخذ منهم كل مأخذ ، فبقوا يستمعون إليه مبهوتين ساكتين ، حتى إذا تلا في خواتم السورة زواجر وقوارع طارت لها القلوب ، وتلا في الأخير } فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا { . وخر ساجداً سجد الجميع ، ولم يملكوا أنفسهم .

روى البخاري عن ابن مسعود t أن النبي قرأ سورة النجم ، فسجد بها ، فما بقي أحد من القوم إلا سجد ، فأخذ رجل من القوم كفا من حصى أو تراب ، فرفعه إلى وجهه ، قال : يكفيني هذا . فلقد رأيته بعد قتل كافراً – وهو أمية بن خلف قتل يوم بدر .





عودة المهاجرين إلى مكة :

وصل هذا الخبر إلى الحبشة ، ولكن في صورة تختلف عن الواقع ، فقد بلغهم أن قريشاً أسلموا ، فرجعوا فرحين مستبشرين إلى مكة ، فلما كانوا دون مكة ساعة من نهار عرفوا جلية الأمر ، فمنهم من رجع إلى الحبشة ، ومنهم من دخل مكة سراً أو في جوار أحد من قريش .





منقووووووووووووووول للاستفادة الرجاء الدعاء و لا تبخلوا علينا بردودكم الجميلة و المواضيع اللهادفة












الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://saydati.yoo7.com
 
محمد أصله ، ونشأته ، وأحواله قبل النبوة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
آللَّهُمْ إجَعلنآ ممِّنْ طآب ذِكَرهُم ْوَحسُنتْ سيِرتَهم وآستَمرأجُرهمْ لحيآتِهمْ وَبعد مَماتهم :: منتدى المعلومات العامة و الثقافية-
انتقل الى: